بطريرك الكرامة والحرية والسيادة والإستقلال

الحرية والديمقراطية والكرامة، ثلاث كلمات تختصر مسيرة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير.

منذ بطريرك الموارنة الياس الحويك الذي تولّى البطريركية المارونية بين عامي 1899 و1931، لم يعرف لبنان بطريركاً مؤثراً كما كان نصر الله صفير، الذي قاد البطريركية المارونية بين عامي 1986 و 2011، سيحتاج لبنان الى مائة عام أخرى لتنبت فيه أرزة جديدة تشبه البطرك الراحل ولو وجدت فلن تكون مثله.

 أراد لبنان سيداً، حراً، مستقلاً، خاض معركة الإستقلال الثاني بوجه الإحتلال السوري وعملائه وعندما ضغط عليه لزيارة النظام السوري، رفض صفير باستمرار زيارة سوريا حيث توجد أبرشية مارونية، قائلاً إنه سيزورها عندما تقام علاقات ندية مبنية على الاحترام المتبادل وسيادة البلدين، حتى أنه لم يرافق البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته لها العام 2001.وحول ذلك الموضوع قال " وما الذي تغير لأذهب الى دمشق؟ لن أذهب إلا ورعيتي معي لقد قلنا ما قلناه ليس لسوريا في لبنان حلفاء بل لسوريا في لبنان ... عملاء".وبعد عامين من استقالته التي تعدّ سابقة، زار خلفه الكاردينال الحالي بشارة بطرس الراعي دمشق العام 2013، ليكون أول بطريرك يذهب إلى سوريا بعد استقلال لبنان العام 1943.

اطلق البطريريك الماروني مار نصر الله بطرس صفير عام 2000 وبعد اشهر على انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان شرارة التحرك للمطالبة بخروج سورية من لبنان يوم كان هذا المطلب من التابوهات. وذهب البطريريك الماروني في دفعه باتجاه تحقيق مطلبه "بخروج سورية ووضع حد لوصايتها " الى حد رعاية اجتماع القوى والشخصيات المسيحية التى اعلنت دعمها لمطلب البطريرك صفير وشكلت برعايته تجمعا عرف بلقاء قرنة شهوان نسبة الى البلدة التي كان يعقد فيها وضم غالبية الاحزاب والتيارات المسيحية وشخصيات مستقلة التقت على الاعتراض على دور سوريا في لبنان. وبات لقاء قرنة شهوان يعقد دوريا تحت سقف الدعوة لخروج سورية، بحضور مطران من الكنسية المارونية بتكليف من البطريرك صفير.

راكم صفير خلال فترة توليه البطريركية المارونية الكثير من الخصوم، وحتى الأعداء، حاله كحال أي شخصية قررت دخول غمار السياسة، خصوصاً في بلدان منطقتنا، لكن الأكيد أن الرجل طبع خلال عقدين ونصف العقد مرحلة كاملة لا يمكن قراءتها بمعزل عنه. لم يكن صفير رجل دين فحسب. كان خلال تلك الفترة زعيماً مارونياً مسيحياً لبنانياً، معترفا به حتى من الخصوم. الوزير السابق سليمان إفرنجية بشهادة تسجل للتاريخ بحق البطريرك نعاه بتغريدة قال فيها "رحل اليوم رجل عظيم آمن بمبادئه حتى آخر لحظة ولم يتنازل يوما عن قناعاته"، أما الوزير السابق وئام وهاب فقال . "في أصعب أيام الصراع الداخلي حافظ البطريرك صفير على بكركي كمنبر حر للجميع كان صادقاً في وعده يستمع الى كل الآراء أعجبته أم لم تعجبه كانت تجربتنا معه مميزة منذ التعسينات رحمه الله".

أراد الراحل صفير لبنان رسالة للتعايش والحوار والمحبة، فوقف الى جانب الإمامين موسى الصدر، ومحمد مهدي شمس الدين وإعتبر بأحد تصريحاته عام 2010 أن الإمام المغيب ليس لطائفة بل للوطن كله " "أن سماحة الامام المغيب رجل سلام وحوار وقد عمل لجمع شمل اللبنانيين وأن غيابه أحزن الجميع وأنه رمز للمسلمين والمسيحيين كونه نادى بالحوار المسيحي الاسلامي". الدكتور سعود المولى على صفحته للتواصل الإجتماعي نقل عن السيد هاني شهادة بحق صفير قال فيها " يصرّ على العيش المشترك وعلى الحرية شرطاً له. فإذا كان الخيار بينه وبين الحرية إختار مار نصر الله بطرس صفير الحرية من دون تردد أو غموض. من دون حرية كيف يكون العيش مشتركاً؟ هو البؤس المشترك".

بدأت ولاية صفير البطريركية عام 1986 في مرحلة دقيقة سياسياً، بداية من وقوفه في وجه إمكانية انتخاب حليف سورية في لبنان الرئيس الأسبق سليمان فرنجية، رئيساً للجمهورية عام 1988، ثم اعتراضه على التوافق السوري - الأميركي على انتخاب النائب المقرب من دمشق مخايل الضاهر لرئاسة الجمهورية (وهو ما لم يحصل)، إضافة إلى اعتراضه على تكليف ميشال عون، الذي كان قائداً للجيش، بتشكيل حكومة انتقالية عسكرية بعد انتهاء ولاية أمين الجميل في 21 سبتمبر/ أيلول 1988، من دون انتخاب رئيس جديد.

لم يكن موقف البطريريك صفير الداعي الى خروج سورية من لبنان، أول موقف معترض على أدائها. فلقد فتح البطرك صرح بكركي لتقبل التعازي بالمفتي الشهيد حسن خالد ردا على قتل النظام السوري له، وتأكيدا على وحدة مسلمي ومسيحيي لبنان في مواجهة الإحتلال السوري. كان صفير ومفتي الجمهورية آنذاك، حسن خالد، الذي يتهم النظام السوري باغتياله، يتموضعان في مكان واحد، ونجحا في بناء جسور مشتركة بين المسيحيين والمسلمين يمكن التأسيس عبرها وسط لغة السلاح التي كانت تحكم البلد.

 اعترض البطرك صفير على دور سوريا في لبنان منذ السنوات التى تلت انتهاء الحرب مطلع التسعينات. وكان من المعترضين على رغبة سورية بالتمديد لرئيس الجمهورية السابق أميل لحود عام 2004، رغم أنه لاحقاً منع إسقاطه في الشارع من قبل ثورة الأرز ليس حبا به بل حفاظاً على الموقع الماروني الأول، رغم أنه كان سابقاً قد إعتبر التمديد خطوة غير دستورية. وكان اول من ايد اتفاق الطائف، بالتفاهم مع الرئيس الحريري الذي قال يوم إعترض البطريريك على التمديد لإميل لحود "أن كلام البطريرك هو بطريرك الكلام"، وكان حينها العماد ميشال عون معترضاً على الإتفاق، أثار توجهه هذا ودعمه لانتخاب الرئيس الأسبق رينيه معوض في العام 1989 مواقف ضده، مع معارضة رئيس الحكومة العسكرية حينها ميشال عون، الرئيس الحالي للبلاد، تطبيق الطائف. وتوجه متظاهرون مسيحيون غاضبون مؤيدون لعون، مقر البطريركية شمال بيروت، وتعرضوا له بالإهانات.سمير جعجع الطرف المسيحي الأبرز الداعم للإتفاق تأخر حينها بالموافقة عليه، وهو الاتفاق الذي وضع حدا للحرب الاهلية واجرى تعديلات دستورية عززت صلاحيات مجلس الوزراء مجتمعا على حساب صلاحيات رئيس الجمهورية.

سجل البطريرك الماروني مواقف اعتراضية حادة على قوانين الانتخابات التي وضعت بعد الحرب في اثناء الوجود السوري والتى ادت عام 1992 الى اعلان المقاطعة المسيحية لتلك الانتخابات، معتبرا ان الهدف منها هو اقصاء فريق وتغليب فريق على اخر.

واعطت زيارة البابا الراحل مار يوحنا بولص الثاني عام 1997 الى لبنان، وما تخللها من مواقف، دفعا قويا لموقع البطريرك صفير ودوره الداخلي على اعتبار ان الساحة المسيحية في لبنان كانت تعيش يومها فراغا سياسيا مع وجود غالبية زعماء الاحزاب في الخارج كميشال عون وامين الجميل او في السجن كسمير جعجع. وقد مهد صفير يومها لزيارة البابا بجملة مواقف ابرزها اعلانه لـ بي بي سي قبل ايام على الزيارة ، بان المسيحيين في لبنان فقدوا امتيازاتهم وموقعهم.

رفع البطريرك السقف ضد سورية، ورفع في ما بعد السقف ضد حزب الله وسلاحه فاتهم الحزب بانه يأتمر بأوامر من الخارج وان سلاحه غير شرعي وصولا الى حد وصفه بالحالة " الشاذة".كان رحمه الله يعلم إنه ليس لإيران في لبنان أصدقاء، بل لإيران في لبنان عملاء. مواقفه هذه لم تلق اجماعاً مسيحياً، وكلت من أبرز من عارضها قسم من المسيحيين المؤيدين للرئيس عون، رئيس التيار الوطني الحر حينها، المتحالف مع حزب الله. ودعا المعترضون إلى "عدم تدخل البطريرك في السياسة" واتهموه بالانحياز الى مسيحيي قوى 14 آذار، خصومهم في السياسة. إلا أن الخوف الحقيقي منه كان إنه فضح عمالتهم، فهو كما قال ليس لسوريا في لبنان سوى عملاء.

كان بطريرك المصالحة في الجبل، مّد صفير جسوراً مع الطوائف الأخرى، فأجرى ما يُعرف بـ"مصالحة الجبل" مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ليطوي صفحة اقتتال دام بين المسيحيين والدروز. ليعود اليوم رئيس التيار الذي أهان عام 1989 البطريريك صفير واجبره على الركوع وتقبيل صورة ميشال عون، التيار الوطني الحر عبر رئيسه جبران باسيل، لينكىء الجراح ويقول إنه بشكل أو بآخر سيعيد الصراع الى بداياته ويضع الزهور على قبور شهداء عام 1860. كما استضاف قمة مسيحية اسلامية بعد سنوات من التباعد.

في كل محطات حياته، حافظ صفير المتحدر من بلدة ريفون في كسروان (وسط) والذي تابع دروسه اللاهوتية والفلسفية في جامعة القديس يوسف في بيروت، على بساطته وتواضعه وتقشفه في ملبسه ومأكله ونمط حياته. وكان ضليعاً باللغتين العربية والفرنسية كما تحدّث الإنكليزية. ويعرف عنه شغفه برياضة المشي يومياً مشى على طريق القديسين سنين طويلة، وهو القديس الذي نال من قبل أكثرية الشعب اللبناني بتعدد طوائفه، لقب بطريرك "الاستقلال الثاني"، في إشارة إلى قيادته للمعركة في وجه سوريا، مما أدى الى انسحاب الجيش السوري من لبنان في عام 2005.

يقول أنطوان سعد، كاتب سيرة البطريرك صفير، لوكالة فرانس برس "معركته الأكبر كانت إنهاء الوجود السوري في لبنان، وهو أمر كنّا نظنه مستحيلاً بسبب الانقسامات اللبنانية، لكن هو عمل عليه بشكل منهجي وموضوعي ودقيق وهادئ". ويضيف "قاوم الوجود السوري والهيمنة السورية بطريقة سلمية، وعمل على أن ينسج الوحدة الوطنية القادرة على إنهائه".

منذ انتخابه عام 86 لم تخلو عظة للبطريرك صفير من موقف سياسي الا نادرا وعندما شعر بخيبة الأمل والغدر، قرر مؤخرا الاستراحة والاستقالة. فرفع رغبته الى بابا روما الذي وافق عليها بعد اجتماعه به، ليفتح الباب امام التكهنات حول الخلف وما يمكن ان يكون عليه اداؤه. عن تلك الإستقالة نقل الدكتور سعود المولى ما قاله السيد هاني فحص عنها على صفحته للتواصل الإجتماعي أنه عندما سأل البطريرك صفير إن كان هناك أسباب خاصة لإستقالته فضلاً عن الأسباب العامة؟ أجابه ممهدا بضحكته المجلجلة " قلنا نذهب وعقلنا معنا أفضل من أن نذهب وهو ناقص" فأجابه السيد هاني " ما أحوجنا الى العدوى منك".

لم يغب الاهتمام بالشأن العام عن الكرسي البطريركي في لبنان على مر العقود لكن البطريريك صفير قد يكون الشخص الذي شهد اكثر الايام تحديا وصعوبة امام الوجود والدور المسيحي في لبنان.

خسر لبنان اليوم أحد رجاله الوطنيين الكبار، الذي لعب دورًا وطنيًا هامًا حرص من خلاله على وحدة لبنان واستقراره ولحمة أبنائه. خسر لبنان أرزة تحتاج الى أكثر من مئة عام لتنبت فيه من جديد.


عدد القراءات‌‌ 490

PM:09:33:12/05/2019


الاكثر مشاهدة